جلال الدين السيوطي
582
الإتقان في علوم القرآن
( أوتو ) ؛ لأنّ ( أوتوا ) قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبول ، ( وآتيناهم ) يقال فيمن كان منه قبول . ومن ذلك ( السنة والعام ) « 1 » قال الراغب « 2 » : الغالب استعمال السنة في الحول الذي فيه الشّدّة والجدب ، ولهذا يعبّر عن الجدب بالسّنة . والعام ما فيه الرّخاء والخصب ، وبهذا تظهر النكتة في قوله : أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [ العنكبوت : 14 ] حيث عبّر عن المستثنى بالعام وعن المستثنى منه بالسنة . قاعدة في السؤال والجواب « 3 » : الأصل في الجواب أن يكون مطابقا للسؤال ، إذا كان السؤال متوجّها ، وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال ، تنبيها على أنّه كان من حقّ السؤال أن يكون كذلك . ويسمّيه السكاكي : الأسلوب الحكيم . وقد جيء الجواب أعمّ من السؤال للحاجة إليه في السؤال ، وقد يجيء أنقص لاقتضاء الحال ذلك . مثال ما عدل عنه : قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : 189 ] سألوا عن الهلال : لم يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ؟ فأجيبوا ببيان حكمة ذلك ، تنبيها على أنّ الأهمّ السؤال عن ذلك لا ما سألوا عنه . كذا قال السّكّاكيّ ومتابعوه . واسترسل التفتازانيّ في الكلام إلى أن قال : لأنهم ليسوا ممّن يطّلع على دقائق الهيئة بسهولة . وأقول : ليت شعري ، من أين لهم أنّ السؤال وقع عن غير ما حصل الجواب به ! وما المانع من أن يكون إنّما وقع عن حكمة ذلك ليعلموها . فإنّ نظم الآية محتمل لذلك ، كما أنه محتمل لما قالوه . والجواب ببيان الحكمة دليل على ترجيح الاحتمال الّذي قلناه ، وقرينة ترشد إلى ذلك ؛ إذ الأصل في الجواب المطابقة للسؤال ، والخروج عن الأصل يحتاج إلى دليل ، ولم يرد بإسناد لا صحيح ولا غيره أنّ السؤال وقع على ما ذكروه ؛ بل ورد ما يؤيد ما قلناه ؛ فأخرج ابن جرير ، عن أبي العالية قال : بلغنا أنّهم قالوا : يا رسول اللّه ، لم خلقت الأهلّة ؟ فأنزل اللّه : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ « 4 » . فهذا صريح في أنهم سألوا عن حكمة ذلك ، لا عن كيفيته من جهة الهيئة . ولا يظن ذو دين بالصحابة . الّذين هم أدقّ فهما ، وأغزر علما . أنهم
--> ( 1 ) المفردات ص 9 ، والفروق للعسكري ص 224 . ( 2 ) المفردات ص 9 . ( 3 ) انظر البرهان 4 / 42 - 52 . ( 4 ) رواه الطبري في تفسيره 2 / 191 - 192 .